محمد جمال الدين القاسمي

15

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وقال شيخ الإسلام تقيّ الدين بن تيمية في كتابه ( السياسة الشرعية ) : ولا يحل للرجل أن يكون عونا على ظلم . فإن التعاون نوعان : نوع على البر والتقوى ، من الجهاد وإقامة الحدود واستيفاء الحقوق وإعطاء المستحقين ، فهذا ما أمر اللّه به ورسوله . ومن أمسك عنه خشية أن يكون من أعوان الظلمة ، فقد ترك فرضا على الأعيان أو على الكفاية ، متوهما أنه متورع . وما أكثر ما يشتبه الجبن والفشل بالورع ، إذ كان كل منهما كف وإمساك . والثاني - تعاون على الإثم والعدوان ، كالإعانة على دم معصوم ، أو أخذ مال معصوم ، وضرب من لا يستحق الضرب ، ونحو ذلك . فهذا الذي حرمه اللّه ورسوله . نعم ، إذا كانت الأموال قد أخذت بغير حق ، وتعذر ردها إلى أصحابها ، ككثير من الأموال السلطانية ، فالإعانة على صرف هذه الأموال في مصالح المسلمين ، كسداد الثغور ونفقة المقاتلة ، ونحو ذلك ، من الإعانة على البر والتقوى ، إذ الواجب على السلطان في هذه الأموال ، إذا لم يمكن معرفة أصحابها وردها عليهم ولا على ورثتهم - أن يصرفها مع التوبة ، إن كان هو الظالم ، إلى مصالح المسلمين . وإن كان غيره قد أخذها فعليه أن يفعل بها ذلك . وكذلك لو امتنع السلطان من ردها ، كان الإعانة على إنفاقها في مصالح أصحابها ، أولى من تركها بيد من يضيعها على أصحابها وعلى المسلمين . فإن مدار الشريعة على قوله تعالى : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [ التغابن : 16 ] . المفسر لقوله : اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ [ آل عمران : 102 ] . وعلى قول النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم » . أخرجاه في الصحيحين « 1 » . وعلى أن الواجب تحصيل المصالح وتكميلها ، وتبطيل المفاسد وتقليلها ، فإذا تعارضت ، كان تحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما ، ودفع أعظم المفسدتين مع احتمال أدناهما - هو المشروع ، والمعين على الإثم والعدوان من أعان ظالما على ظلمه . أما من أعان المظلوم على تخفيف الظلم عنه ، أو على أداء المظلمة ، فهو وكيل المظلوم لا وكيل الظالم . بمنزلة الذي يقرضه أو الذي يتوكل في حمل المال له إلى الظالم . مثال ذلك : وليّ اليتيم والوقف ، إذا طلب ظالم منه مالا ، فاجتهد في دفع

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في : الاعتصام ، 2 - باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، وقول الله تعالى : وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً ، حديث 2585 ونصه : عن أبي هريرة ، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال « دعوني ما تركتكم . إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم . فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه . وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم » . وأخرجه مسلم في : الفضائل ، حديث 130 .